محمد بن جرير الطبري

382

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

رسالته ، وقبل بعثة الله إياه إليهم وإلى غيرهم أن يكونوا كأسلافهم وأوائلهم الذين كذبوا نبيهم شمويل بن بالي ، مع علمهم بصدقه ومعرفتهم بحقيقة نبوته ، وامتناعهم من الجهاد مع طالوت لما ابتعثه الله ملكا عليهم بعد مسألتهم نبيهم ابتعاث ملك يقاتلون معه عدوهم ، ويجاهدون معه في سبيل ربهم ابتداء منهم بذلك نبيهم ، وبعد مراجعة نبيهم شمويل إياهم في ذلك ؛ وحض لأَهل الإِيمان بالله وبرسوله من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيله ، وتحذير منه لهم أن يكونوا في التخلف عن نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم عند لقائه العدو ومناهضته أهل الكفر بالله وبه على مثل الذي كان عليه الملأ من بني إسرائيل في تخلفهم عن ملكهم طالوت ، إذ زحف لحرب عدو الله جالوت ، وإيثارهم الدعة والخفض على مباشرة حر الجهاد ، والقتال في سبيل الله ، وشحذ منه لهم على الإِقدام على مناجزة أهل الكفر به الحرب ، وترك تهيب قتالهم إن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم واشتدت شوكتهم ، بقوله : قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ، وإعلام منه تعالى ذكره عباده المؤمنين به أن بيده النصر والظفر والخير والشر . وأما تأويل قوله : قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ فإنه يعني للملأ من بني إسرائيل الذين قالوا لنبيهم : ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقوله : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ إن علامة ملك طالوت التي سألتمونيها دلالة على صدقي في قولي : إن الله بعثه عليكم ملكا ، وإن كان من غير سبط المملكة ، أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وهو التابوت الذي كانت بنو إسرائيل إذا لقوا عدوا لهم قدموه أمامهم وزحفوا معه ، فلا يقوم لهم معه عدو ولا يظهر عليهم أحد ناوأهم ، حتى منعوا أمر الله وكثر اختلافهم على أنبيائهم ، فسلبهم الله إياه مرة بعد مرة يرده إليهم في كل ذلك ، حتى سلبهم آخر مرة فلم يرده عليهم ولن يرده إليهم آخر الأَبد . ثم اختلف أهل التأويل في سبب مجيء التابوت الذي جعل الله مجيئه إلى بني إسرائيل آية لصدق نبيهم شمويل على قوله : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً وهل كانت بنو إسرائيل سلبوه قبل ذلك فرده الله عليهم حين جعل مجيئه آية لملك طالوت ، أو لم يكونوا سلبوه قبل ذلك ولكن الله ابتدأهم به ابتداء ؟ فقال بعضهم : كان ذلك عندهم من عهد موسى وهارون يتوارثونه حتى سلبهم إياه ملوك من أهل الكفر به ، ثم رده الله عليهم آية لملك طالوت . وقال في سبب رده عليهم ما أنا ذاكره ، وهو ما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه ، قال : كان لعيلي الذي ربى شمويل ابنان شابان أحدثا في القربان شيئا لم يكن فيه ، كان شرط القربان الذي كانوا يشرطونه به كلابين فما أخرجا كان للكاهن الذي يستوطنه ، فجعل ابناه كلاليب ، وكانا إذا جاء النساء يصلين في القدس يتشبثان بهن . فبينا شمويل نائم قبل البيت الذي كان ينام فيه عيلي ، إذ سمع صوتا يقول : أشمويل فوثب إلى عيلي ، فقال : لبيك ما لك دعوتني ؟ فقال : لا ، ارجع فنم فرجع فنام ثم سمع صوتا آخر يقول : أشمويل فوثب إلى عيلي أيضا ، فقال : لبيك ما لك دعوتني ؟ فقال : لم أفعل ارجع فنم ، فإن سمعت شيئا فقل لبيك مكانك مرني فأفعل فرجع فنام ، فسمع صوتا أيضا يقول : أشمويل